ابن الأثير

140

أسد الغابة ( دار الفكر )

وبويع عبد اللَّه بن الزبير بالخلافة بعد موت يزيد ، وأطاعه أهل الحجاز ، واليمن ، والعراق ، وخراسان ، وجدد عمارة الكعبة ، وأدخل فيها الحجر ، فلما قتل ابن الزبير أمر عبد الملك بن مروان أن تعاد عمارة الكعبة إلى ما كانت أولا ، ويخرج الحجر منها . ففعل ذلك فهي هذه العمارة الباقية . وبقي ابن الزبير خليفة إلى أن ولى عبد الملك بن مروان بعد أبيه ، فلما استقام له الشام ومصر جهّز العساكر ، فسار إلى العراق فقتل مصعب بن الزبير ، وسيّر الحجاج بن يوسف إلى الحجاز ، فحصر عبد اللَّه بن الزبير بمكة ، أول ليلة من ذي الحجة سنة اثنتين وسبعين ، وحجّ بالناس الحجّاج ولم يطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة ، ونصب منجنيقا على جبل أبى قبيس فكان يرمى الحجارة إلى المسجد ، ولم يزل يحاصره إلى أن قتل في النصف من جمادى الآخرة ، من سنة ثلاث وسبعين . قال عروة بن الزبير : لما اشتدّ الحصر على عبد اللَّه قبل قتله بعشرة أيام ، دخل على أمّه أسماء وهي شاكية ، فقال لها : إن في الموت لراحة . فقالت له : لعلك تمنّيته لي ، ما أحبّ أن أموت حتى يأتي على أحد طرفيك ، إما قتلت فأحتسبك ، وإما ظفرت بعدوك فتقرّ عيني . فضحك . فلما كان اليوم الّذي قتل فيه دخل عليها فقالت له : يا بنى ، لا تقبلن منهم خطّة تخاف فيها على نفسك الذل مخافة القتل ، فو اللَّه لضربة بسيف في عزّ خير من ضربة بسوط في ذلّ . وخرج على الناس وقاتلهم في المسجد ، فكان لا يحمل على ناحية إلا هزم من فيها من جند الشام ، فأتاه حجر من ناحية الصّفا ، فوقع بين عينيه ، فنكّس رأسه وهو يقول [ ( 1 ) ] : ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا * ولكن على أقدامنا يقطر الدّما ثم اجتمعوا عليه فقتلوه . فلما قتلوه كبر أهل الشام ، فقال عبد اللَّه بن عمر : المكبّرون عليه يوم ولد ، خير من المكبرين عليه يوم قتل . وقال يعلى بن حرملة : دخلت مكة بعد ما قتل ابن الزّبير ، فجاءت أمه امرأة طويلة عجوزا مكفوفة البصر تقاد ، فقالت للحجاج : أما آن لهذا الراكب أن ينزل ؟ ! فقال لها الحجاج : المنافق ؟ قالت : واللَّه ما كان منافقا ، ولكنه كان صوّاما قوّاما وصولا . قال : انصرفي فإنك عجوز قد خرفت . فقالت : لا واللَّه ما خرفت ، ولقد سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول : « يخرج من

--> [ ( 1 ) ] البيت في خزانة الأدب ، الشاهد 566 ، ويقول البغدادي : « وهو من أبيات ثلاثة أوردها أبو تمام في الحماسة للحصين ابن الحمام المري » وذكر الأبيات . ينظر الخزانة : 3 / 252 / 255 .